ربحت بهذه الوسائل

صنعت شركة الملكية الأردنية، التي كانت ذات يومٍ شركة نقلٍ مغمورة عالمياً , صيتاً لنفسها كأول شركة طيران في الشرق الأوسط تتجرأ على السخرية من ترامب. وكان إعلانها الأول، ذاك الذي منح وكالة ميماك أوجلفي كل هذه الجوائز، لوحةً بسيطة نُشرت على مواقع فيسبوك وتويتر وإنستغرام في 8 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2016، قُبيل إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية. وأظهر الإعلان حينذاك أسعار الدرجة الاقتصادية ودرجة الأعمال في رحلات شركة الملكية الأردنية إلى مُدن شيكاغو، وديترويت، ونيويورك الأميركية، مع كتابة بعض الأسطر الساخرة في أعلى الصورة مضمونها "تحسُّباً لفوزه.. سافروا إلى الولايات المتحدة الآن قبل حظر سفركم إليها!".

انتشر الإعلان انتشاراً واسعاً، إذ شاهده 450 مليون شخص على الإنترنت، ووصلت نسبة التفاعل الإيجابي إلى 80.3%، فضلاً عن التغطية الصحفية التي شملت مواقع إخبارية ومدونات رسمية بلغ عددها الإجمالي 26، وفقاً لما أعلنته وكالة ميماك أوجلفي.

وكان مُلخَّص الحملة الإعلانية التي شاركت بها الوكالة لاحقاً في مهرجان دبي بسيطاً. فما هو هدف الحملة؟ "بيع المزيد من تذاكر الرحلات المتجهة إلى الولايات المتحدة". وما الوسيلة؟ "استخدام الحظر الذي فرضه ترامب على المسلمين لصالحنا". وما هي ميزانية الحملة؟ "صفر".ووفقاً لمقطع الفيديو الذي نشرته وكالة ميماك الإعلانية على صفحتها بموقع فيسبوك، والذي يعرض استلامها للجائزة، فإنَّ حجوزات شركة الملكية الأردنية إلى الولايات المتحدة قد زادت بنسبة 50%. ويقول الصوت الظاهر في مقطع الفيديو: "لقد نشرنا تغريداتٍ أكثر من ترامب نفسه".

وفي مطلع شهر فبراير/شباط الماضي، حين أوقف قضاة أميركيون قرار ترامب بحظر السفر من 7 دول ذات أغلبية مُسلمة إلى أميركا، ظهرت شركة الملكية الأردنية على الساحة مجدداً ونشرت إعلاناً يحمل كلمة "Ban Voyage"، أي حظر الرحلات، ولكن مشطوباً عليها ومُستبدلة بكلمة "Bon Voyage"، أي رحلة سعيدة. وكان الإعلان يعرض تخفيضات في أسعار الرحلات المتجهة إلى مُدن شيكاغو وديترويت ونيويورك الأميركية، مع حث الزبائن على السفر تحت جملة "سافروا إلى الولايات المتحدة مع شركة الملكية الأردنية التي لا تقع ضمن قرار الحظر". ولقد كانت هذه الفكرة صائبة تماماً، وخاصةً من الأردن، التي تأوي ملايين اللاجئين والنازحين من سوريا، والعراق، والسودان، والصومال، واليمن، إذ تقع كل هذه الدول ضمن قرار الحظر الذي فرضه ترامب.

وفي 22 مارس/آذار، حين أعلنت وزارة الأمن الداخلي للولايات المتحدة حظر اصطحاب الأجهزة "التي يزيد حجمها عن الهاتف الذكي" داخل مقصورات الطائرات المتجهة إلى الولايات المتحدة من 10 مطاراتٍ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك مطار الملكة علياء الدولي في عمَّان، أطلَّت شركة الملكية الأردنية من جديد. وفي أول رد للشركة على قرار حظر الأجهزة الإلكترونية، نشرت قصيدة على موقع تويتر تبدأ بجملة "حظر جديد كل أسبوع"، ثم نشرت قائمةً مكونة من "12 شيئاً يمكن فعلها في رحلة مدتها 12 ساعة دون لابتوب أو تابلت"، وأخيراً نشرت توصيةً للمسافرين تقول "أو افعلوا ما نتميز به كأردنيين.. حدَّقوا في بعضكم البعض!". وحازت هذه المنشورات عشرات الآلاف من المشاركات، وأكالت التغطية الإعلامية الدولية المديح لرد شركة المملكة الأردنية على قرار حظر الأجهزة الإلكترونية واصفةً إياه بالرد "الصفيق"، "والوقح"، "والمثالي".

ويتمثل العقل المُدبّر وراء كل هذه الحملات في الفريق المُبدع بوكالة ميماك أوجلفي، بقيادة هادي علاء الدين، ذاك المخرج الفني الذي يحمل الجنسيتين الفلسطينية والأردنية، والبالغ من العمر 31 عاماً، والذي يعمل أيضاً في تصميم المُلصقات الإعلانية والقمصان إلى جانب عمله في الوكالة، فضلاً عن شراكته في إدارة خدمة اسمها "ورشة -Warsheh" للعلامات التجارية، وتعاونه مع شركة "جوبدو- Jo Bedu" للأزياء والإكسسوارات، والتي تشتهر بصناعة قمصانٍ تحمل كلماتٍ وتورياتٍ مازحة باللغتين العربية والإنكليزية.

وحين التقيت هادي علاء الدين، ومعه خليل عطية وآية ناصف، وهما شابان أردنيان من جيل الألفية الجديدة، ومسؤولان عن شؤون خدمة العملاء في حملات شركة الملكية الأردنية، قالوا إنَّ فكرة استخدام ترامب في الإعلانات كانت عفوية.

وقالت آية: "لقد كانت فكرة تلقائية وعفوية. لم تكن لدينا أي إستراتيجية. كل ما حدث هو أنَّ هادي فكّر بها".

منذ ثمانية أشهر، تعاقدت شركة المملكة الأردنية مع وكالة ميماك أوجلفي بحثاً عن المساعدة في تحسين صورتها. وكانت الشركة قد تأسست عام 1963 على يد ملك الأردن الأسبق حسين بن طلال، وظلت شركة الطيران الوطنية تُقدم خدماتٍ مُميزة في تسيير الرحلات الجوية من بلاد الشام عبر المنطقة على مدار عقود، ولكن ساءت الأمور نوعاً ما، وساد الشركة مناخٌ خانق من الرتابة والمؤسسية المُفرطة في تقديم خدماتها.

وتقول آية: "أرادت شركة المملكة الأردنية إضفاء جوٍ من المرح على خدماتها"، وخاصةً أنها كانت تلهث في منافسةٍ صعبة مع شركات الطيران الخليجية التي تلقى تمويلاتٍ سخية مثل شركة طيران الإمارات، وشركة الخطوط الجوية القطرية. بينما كانت الشركات المُنافسة في الدول الغنية بالنفط قادرةً على إطلاق حملاتٍ إعلانية بمشاركة النجمة الأميركية جنيفر أنستون، أو طلاء الطائرات باللون الوردي في عيد الحب، كانت ميزانية الشركة الأردنية أقل من ذلك بكثير. لذلك، قررت الشركة الأردنية اللعب على نقطة قوتها، وهو حس الدعابة، وخاصةً حس الدعابة الأردني، مع إضافة اللمسة المناسبة تماماً من السخرية.

ويقول هادي علاء الدين: "الأردن قادر على مُقارعة دول الخليج"، مُشيراً إلى أن بلده يمتلك أسلوباً بسيطاً في المعيشة، وعقلية مشتركة ومتشبعة بالثقافة الشامية، وهي مميزات قد تفتقر إليها مُدن عالمية كبيرة مثل دبي. وأضاف هادي قائلاً: "لدينا حس الدعابة الخاص بنا، والثقافة وطريقة التحدث اللتين نتميز بهما. لدينا شخصيتنا الخاصة. وهذا كل ما نملكه".

وتابع هادي حديثه قائلاً: "لم يكن الأمر متعلقاً قَط بالسياسة، فالعالم بأسره كان يتابع الانتخابات. ولكن الناس لا تتابع الانتخابات من منظورٍ سياسي. كل ما في الأمر أنَّ الانتخابات هي الحدث الذي يتحدث جميع الناس عنه". لذلك، حين كان جميع الناس مشغولين بالحديث عن تعليقات ترامب على قرار حظر المسلمين، انخرطت الوكالة في المناقشات، شأنها شأن أي مواطن أردني. وقال هادي: "كل ما فعلناه أننا أطلقنا مزحة سخيفة، ولكنها أعجبت الناس".

وفي غضون ساعةٍ واحدة من نشر صورة الإعلان الأول التي ظهر فيها ترامب، نفد شحن بطارية هاتف هادي من كمية الإشعارات الهائلة التي استمرت في الظهور. كان الناس يستجيبون للإعلان من شتى أنحاء العالم، حتى أولئك الذين لا علاقة لهم بالمنطقة ولا يُخططون للسفر عبر رحلات شركة المملكة الأردنية. ويقول خليل عطية: "حتى غير المسلمين من جميع أنحاء العالم رأوا هذه الجملة المنتشرة مُضحكةً بالنسبة إلى ذِكرها في حق رئيسٍ مُنتظر، إذ قالوا تعليقاتٍ مثل 'شكراً لأنكم رسمتم الضحك من رحم هذه الموقف الصعب'، وخاصةً أنَّ المزحة جاءت من أكثر الناس تضرراً من فوز ترامب".

كنت جالسةً داخل مكتب وكالة ميماك أوجلفي حين شاهدت الفريق ينشر أحدث إعلانٍ شهير لهم، تحت عنوان 12 شيئاً يمكن فعلها في رحلة مدتها 12 ساعة دون لابتوب أو تابلت، بما فيها النقطة رقم 12، التي تشير بين طياتها إلى شخصٍ بعينه، والتي تقول: "فكّروا في الأسباب التي تمنعكم من اصطحاب أجهزة اللابتوب والتابلت معكم". فتساءلت: هل الغرض من هذه الجملة هو الإيحاء إلى تفاهة قرار الحظر؟ (وكانت وزارة الأمن الداخلي للولايات المتحدة قد أعلنت عن مخاوفها من احتمالية إخفاء متفجرات داخل الأجهزة الإلكترونية وفقاً لتقارير استخباراتية، ويبدو أن الحظر المماثل الذي فرضته بريطانيا قد صدر بُناءً على هذه التقارير). إذا كان ذلك صحيحاً، فلماذا لم يحدد الإعلان اسم ترامب مُباشرةً، أو تضمن رسالةً واضحة عن المخاطر الأمنية؟.

ويجيب هادي ضاحكاً: "ننتهج نوعاً من الأسلوب السلبي العدواني"، مُضيفاً أن الشركة الملكية الأردنية قد نشرت بالفعل بياناً رسمياً عن تفاصيل الحظر، ولكن الحديث عن الإرهاب ما هو إلا حيلة تسويقية عاجزة. وقال هادي: "ليست وظيفتنا هي إخبار الناس بوجود حظر، بل إيصال القرار بطريقةٍ مرحة، بمعنى آخر، أن نقول، نعم، لقد صدر القرار بالفعل، ولكن إليكم وجهة نظرنا للتعامل مع الأمر".

ولا تريد الشركة الملكية الأردنية أن تتعرض للخسائر، ولكنها في الوقت نفسه لا تستطيع إجبار الإدارة الأميركية على تغيير سياساتها. ولذلك، ستفعل الشركة أفضل شيء بمقدورها، وهو التأكيد على ردود الأفعال الهائلة من عملائها ومن المقيمين في الأردن تأكيداً رسمياً إلى حدٍ ما. وتقول آية: "جميعنا نسافر، ليس بوسعي سوى أن أتخيل مساوئ الأمر إذا كنت في الجامعة، كنت سأضطر للقلق في كل مرة أريد فيها العودة إلى وطني من الولايات المتحدة".

ويقول هادي: "نعلم أنَّه أمرٌ مزعج، ونبذل ما في وسعنا للتأقلم معه"، مُضيفاً أن فريقه قد أعطى شركة المملكة الأردنية أفكاراً لتحسين وسائل الترفيه على مدن الطائرة في ظل عدم وجود أجهزة اللابتوب. فعلى سبيل المثال، جاءت التعليقات على إعلان الشركة المنشور على موقع فيسبوك مليئةً بطلباتٍ لتوفير تقنية الواي فاي مجاناً أثناء الرحلات الجوية. فإذا لم يستطع الأردنيون إيقاف قرارات الرئيس الأميركي، فعلى أقل تقدير، ينبغي أن يشعروا باهتمام الشركة بطلباتهم، وبالتالي سيدعمون الشركة.

وختم هادي حديثه قائلاً: "وفي ظل كل هذه النقاط، لاقى الإعلان الأول نجاحاً كبيراً، لقد كان رد فعلٍ مرحاً على قرار يعجَّ بالكراهية، والأهم من ذلك، أن الشركة جنت من ورائه مكاسب خيالية".

المصدر :هافنغتون بوست عربي

YOUR REACTION?


You may also like



Facebook Conversations