ليس التعديل الأخير على تعليمات حماية الأراضي الزراعية، الذي سمح لمصانع الأسمنت باستعمال التربة الزراعية في صناعة الأسمنت، هو ما سيفتح الباب أمام هذه الممارسة؛ فمنذ سنوات، ووسائل الإعلام تنقل أخبار تعدّي العديد من هذه المصانع على التربة الزراعية، واستخدامها بشكل غير قانوني، لانخفاض كلفتها مقارنة بالبدائل الأخرى.

ما فعله التعديل، هو أنه «شرْعن» ذلك، في خطوة يرى خبراء أنها استمرار لمسلسل التشوّه في التعاطي مع ملف الأراضي الزراعية، في بلد تعاني 90% من مساحته من التصحر، و تتآكل مساحته الخضراء الباقية أمام زحف عمراني متواصل، بحسب تقرير أصدرته وزارة البيئة العام الماضي.

وزارة الزراعة التي أصدرت قبل 8 سنوات تعليمات مشددة منعت بموجبها استخدام كل أنواع التربة الزراعية مُدخلَ إنتاجٍ في أي نوع من الصناعات، وحصرت استخدامها بالأغراض الزراعية، عادت في آب (أغسطس) الماضي، وحصرت المنع بنوع واحد هو التربة الطينية، مُستثنية من ذلك التربة المخلوطة الناتجة عن شقّ الطرق وأعمال البنية التحتية وغيرها.

يبرر مسؤولون التعديل بأن التربة الزراعية التي كان يحظر على مصانع الأسمنت استخدامها، كانت تُهدر، حيث كانت تتراكم نفاياتٍ على جوانب الطرق، وفي مكبّ الغباوي، ويقولون إن رفع الحظر سيتيح للمصانع الاستفادة منها، ويتيح للحكومة الاستفادة أيضا من الرسوم التي تتقاضاها على بيع هذه التربة للمصانع.

لكن خبراء يستغربون هذا التبرير، ويقولون إنه بدلا من إرسال تربة زراعية، يحتاج تعويضها إلى آلاف السنوات، إلى «محارق» مصانع الأسمنت، فإنه يمكن استخدامها في إعادة تأهيل العديد من الأماكن المتضررة بيئيّا في الأردن، وعلى رأسها المحاجر والمقالع، التي يتركها المتعهّدون، بعد استنزافها، مكارهَ بيئية، رغم أن القانون يلزمهم بإعادة تأهيلها.

لماذا تفضل مصانع الأسمنت التربة الزراعية؟

يوجد في المملكة ست مصانع للأسمنت، تقع في المفرق والطفيلة والكرك والفحيص والموقر والدامخي على الطريق الصحراوي. ووفق الخبير في صناعة الأسمنت، سهيل عكروش، يدخل في تصنيع الأسمنت مواد أولية أهمها الحجر الجيري والحديد والرمل والجبس. وهي مواد يمكن للمصانع الحصول عليها من مصادر عدة، فهي موجودة في التربة الزراعية، وموجودة أيضا الأماكن الجرداء.

مواقع شركات ومصانع الإسمنت في الأردن‎

وفق عكروش، الذي تقاعد بعد 20 عاما من العمل في مصنع الفحيص للأسمنت، فإنه يُفترض لاعتبارات بيئية، أن تأتي المصانع بهذه المواد من الأماكن الجرداء، لكن بعضها يلجأ، إلى التربة الزراعية لأنها أقل كلفة، عندما تجلب من أماكن قريبة نسبيا من المصنع. فالنقل، كما يقول، يشكل ما لا يقل عن 40-50% من كلفة الإنتاج، سواء نقل المواد الأولية إلى المصنع، أو نقل الأسمنت نفسه إلى الأسواق، وبالتالي، فإن قرب الموقع الذي يمكن نقل المواد الأولية منه يلعب دورا كبيرا في تخفيض التكلفة.

ويؤكد ذلك مسؤولٌ في هيئة تنظيم الطاقة والمعادن، فيقول إن نقل طنّ «الكاولين» -وهو طين معدني يشكل أحد مصادر العناصر الأولية التي تدخل في صناعة الإسمنت – قد يكلّف 10 أو 11 دينارا، في حين قد لا يكلف طن التربة الزراعية أكثر من 5 أو 6 دنانير.

لكن هذا المسؤول، الذي طلب عدم ذكر اسمه، لأنه كما قال غير مخوّل بالتحدّت إلى الإعلام، يضيف سببا آخر لتفضيل بعض المصانع التربة الزراعية، هو أن الكاولين في بعض المناطق يتّسم بارتفاع نسبة الكلور فيه، وهذا يحتاج من المصنع تركيب أجهزة (Bypass Systems) للتخلص منه. هذه الأجهزة كما يقول، تكلف 3 أو 4 ملايين دينار، وليست كل المصانع على استعداد لدفع هذا المبلغ.

وزارة الزراعة.. من التشدد إلى التراخي

في العام 2009، أصدرت وزارة الزراعة تعليمات مشددة، منعت بموجبها استخدام كل أنواع التربة الزراعية مُدخلَ إنتاجٍ في أي صناعة، وحصرت استخدامها بالأغراض الزراعية وتأهيل المقالع والمحاجر. ولمزيد من التشدد، أصدرت الوزارة عام 2014 تعليمات جديدة أضافت إلى البند الذي يحظر استخدام التربة الزراعية في أي نوع من الصناعات، بندا آخر خاصا بمصانع الأسمنت حَظرَ عليها «استقبال أو استخدام التربة الزراعية في صناعة الأسمنت». وهو بند ظل واردا في تعليمات أخرى صدرت عام 2016، إلى أن حذف في آب أغسطس الماضي.

وأقرّت التعليمات، بدلًا من البند الذي يحظر بالمطلق استخدام كل أنواع التربة الزراعية، أيّا كان مصدرها في صناعة الأسمنت، بندًا حظر استخدام «التربة الزراعية الطينية ذات القوام الثقيل» في الصناعات، مستثنية من الحظر «الأتربة المخلوطة والناتجة عن عمليات الحفر وشق الطرق».

والتربة المخلوطة بحسب المسؤول في «الطاقة والمعادن» هي خليط من مكونات مختلفة، مثل التربة الحمراء والكلسية والحصى وغيره، ولا تعدّ بذلك «تربة زراعية من الدرجة الأولى».

وزير الزراعة السابق، عاكف الزعبي، الذي تولى الوزارة ما بين آب (أغسطس) 2014 وأيار (مايو) 2016، ووُضع البند المتعلق بمصانع الأسمنت في عهده، يقول إنه لم يكن صحيحا، من ناحية تشريعية، إضافة هذا البند إلى تعليمات وزارة الزراعة، لأنه يتعلق بمسألة فنية، لا تقع ضمن اختصاصها؛ فصلاحيات الوزارة تقتصر على التأكد من أن التربة المجرّفة ناتجة عن مشروع بناء مرخّص، لا عن تجريف بهدف بيع التربة، وبذلك فإن ما يعنيها هو معرفة من أين أتت التربة، لا إلى أين ستذهب.

لكن الزعبي يبرر إضافة هذا البند، آنذاك، بحالة «الفلتان» في استخدام التربة الزراعية في صناعة الأسمنت، الأمر الذي دفع الوزارة إلى التدخل، بشكل استثنائي في محاولة لضبط الوضع، حتى لو عَنى ذلك تداخل الصلاحيات. وهو أمر يقول إن الوزارة اضطرت إليه سابقا في ما يتعلق بالاعتداء على أشجار الحراج وأراضيه، إذ كان يمكن لمن قطع مئات الأشجار الحرجية أن يعاقب بغرامة 60 دينارًا مثلا، وذلك استنادًا إلى بند في قانون العقوبات يخفف العقوبة. فاضطرت الوزارة إلى تعديل قانون الزراعة الذي لم يكن قد مضى على إصداره أربعة أشهر، لإضافة بند يمنع اللجوء إلى العقوبة المخففة في حالة الاعتداء على الحراج.

لكن هذا لا ينجح، كما يقول الزعبي، فجهة واحدة لن يمكنها أبدًا إحكام السيطرة على كامل الحلقات المتعلقة بقضية معينة.

هذا التشدد في الحفاظ على التربة الزراعية «هو الأصل»، كما يقول خبير التربة والأستاذ في الجامعة الأردنية، طالب أبو شرار، فمعظم مساحة الأردن -تاريخيا- هي صحراء، ولا تزيد المساحة الصالحة للزراعة فيه عن 5500 كم مربع. وهذه المساحة الخضراء الضئيلة، تضاءلت أكثر فأكثر بفعل الزحف العمراني وعوامل التعرية.

YOUR REACTION?


You may also like



Facebook Conversations